على مر القرون، رسخ ميناء الدار البيضاء مكانته كفضاء للتبادل والانفتاح والإشعاع، مواكبا التحولات الكبرى التي شهدتها المدينة إلى أن أصبح اليوم أحد أبرز رموز حيويتها وديناميتها.
كما رسخ الميناء مكانته أيضا كإحدى الرافعات الرئيسية للنمو الاقتصادي بالدار البيضاء، وعلى نطاق أوسع، بالمملكة. وقد كان لهذه الوظيفة الاستراتيجية تأثير مباشر على فرص الشغل، بالإضافة إلى تعزيز بروز شبكة من الخدمات ذات الصلة، والمساهمة في هيكلة فضاء اقتصادي دينامي، حيث لا يقتصر دور الميناء على كونه بنية تحتية للعبور فحسب، بل ي عد أيضا عاملا مستداما في التحول الترابي.
وعلى المستوى الديمغرافي، واكب الميناء التطور الصناعي للمدينة واستقطب يدا عاملة من مختلف الجهات، مساهما بذلك في النمو السكاني بالمدينة، وإعادة تكوين نسيجها الاجتماعي.
من جهة أخرى، مكن توسيع المرافق، وتطوير الطرق الرابطة بين الميناء والمدينة والمناطق المحيطة بها، بالإضافة إلى إدراج أدوات تحميل وتفريغ حديثة، من تعزيز فعالية هذه المنصة المينائية وتقوية دورها كمحرك اقتصادي للمدينة.
ويتجسد هذا التطور في الأداءات الأخيرة للميناء. فحسب التقرير المالي نصف السنوي لعام 2025 الصادر عن الوكالة الوطنية للموانئ، بلغ الرواج التجاري في ميناء الدار البيضاء 15,81 مليون طن عند متم يونيو 2025، بزيادة قدرها 5,6 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها خلال السنة السابقة.
وفي حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء، على هامش ندوة ن ظمت في إطار الدورة الخامسة عشرة لأيام تراث الدار البيضاء، أوضح أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني، والمتخصص في التاريخ المعاصر، عادل يعقوب، أن دور ميناء الدار البيضاء لا يقتصر على الفترة المعاصرة، بل يمتد إلى تاريخ أقدم يرتبط بمكانة البحر في انفتاح الدول على محيطها والعالم.
وأشار المؤرخ إلى أن الساحل المغربي يتميز بندرة الموانئ الطبيعية، وهو ما منح موقع الدار البيضاء أهمية خاصة منذ وقت مبكر، من خلال توفير فضاء للرسو والتبادل التجاري.
وقال: "ابتداء من القرن الثامن عشر، شكلت نهضة المدينة في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله إنطلاق مرحلة جديدة في تاريخ الدار البيضاء، والتي تواصلت خلال القرن التاسع عشر مع ازدهار الميناء"، مضيفا أن هذا الأخير فرض نفسه تدريجيا كبوابة للمغرب نحو الخارج، في سياق اندماج متزايد للمدينة في المبادلات الدولية.
وشكل هذا اللقاء المنظم في إطار الدورة الخامسة عشرة لأيام تراث الدار البيضاء، والذي خصص للوضعية الاقتصادية للميناء خلال فترة الحماية، وكذا لعملية الشعلة 1942، فرصة للتطرق أيضا لدور فضالة-المحمدية في هذه العملية، وميناء الدار البيضاء خلال فترة الحماية، والحركة العمالية بالميناء، إضافة إلى الإنزال الأمريكي وانعكاساته.
وتندرج هذه الدورة في إطار دينامية جماعية، بشراكة مع الفاعلين في المشهد الثقافي والفني والجمعوي، الذين يساهمون في بلورة برنامج متنوع، منفتح على التحولات الراهنة التي تعرفها المدينة.
.jpeg)

0 Comments